أخبار وطنية إصلاح الوضع السياسي، نقاط الارتكاز : المنظومة القضائية (1) بقلم سامي بن سلامة
بقلم سامي بن سلامة
من الصعب الحديث عن الإصلاح في بلد ما طالما لم يتم تشخيص الأمراض والعلل التي أصابته. على المستوى السياسي دخلت تونس تجربة مريرة امتدت لما يفوق العشر سنوات سميت بتجربة الانتقال الديمقراطي. ربما كان خطأ كبيرا أن يتم الاقتصار في التجربة المذكورة على الانتقال السياسي، بدون مصاحبة ذلك بانتقال اقتصادي وثقافي واجتماعي. كان ذلك ليخلق البيئة المناسبة لإنجاح التجربة السياسية والتحول إلى ديمقراطية حقيقية. لم يكن الانتقال السياسي لينجح بدون توفر الأرضية والبيئة المناسبتان، فتحول إلى صراع عقيم على الحكم.
أخذت تونس كرهينة لدى حزب حركة النهضة وحلفائه المتعددين، إذ انحرفت العملية السياسية عن أهدافها الأصلية وتحولت من هدف الانتقال إلى ديمقراطية حقيقية إلى محاولة محمومة لفرض نظام جديد يخدم مصالح وأهداف الطرف الظلامي المخادع المهيمن على جميع المفاصل والمنظومات.
تم استعمال دستور وقوانين الجمهورية واستغلالها لتحقيق غايات حزبية ضيقة إذ تم وضع قوانين على المقاس وتم الحفاظ على قوانين قديمة غير متلائمة مع الدستور أو مخالفة له بغاية تسهيل تحقيق تلك الغايات.
تمحورت الحياة السياسية حول ما يحدث في مقر البرلمان من صراع ضد الوقت لفرض الأمر الواقع، فانتهت السياسة في تونس ولم تعد هنالك من حياة سياسية تذكر خارجه. أدى ذلك خاصة إلى تحميل الأحزاب السياسية مسؤولية الفشل وتردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وهو ما مهّد لبروز تيارات شعبوية قدمت كبديل عن التنظيمات الوسيطة بين الدولة والمجتمع وتدعو صراحة أو ضمنيا إلى التخلص منها.
تعطلت التجربة وبانت دلائل فشلها منذ سنوات طويلة، منذ أصبحت الانتخابات ابتداء من سنة 2014 مجرد واجهة براقة لا تعبر عن حقيقة التردي الذي وصلته الأمور وإن لم يتم الإعلان عن الفشل رسميا سوى يوم 25 جويلية 2021. تجد تونس نفسها اليوم أمام مفترق طرق، إما تبني إصلاحات حقيقية تؤدي بها إلى استئناف مسار انتقال ديمقراطي حقيقي وإما اعتماد سياسة الترقيع والتمهيد لعودة الحكم المطلق والاستبداد.
وعليه وجب تحديد مكامن الفشل وأسبابه بدقة لكي يتسنى تقديم مقترحات الإصلاح المناسبة. لا يختلف اثنان حول ماهية الفشل التي كانت سياسية بالأساس وتتعلق خاصة برداءة من حكموا باعتبار أن المعطى السياسي وطبيعة الماسك بالسلطة والقرار السياسي والتوجه السياسي كانوا محددين وحاسمين في إفشال التجربة كليا.
يجدر التذكير هنا بأنّ تونس لم تعش في العشرية الأخيرة تجربة انتقال عادية حاول فيها اللاعبون السياسيون النجاح وأخفقوا. فقد عاش البلد تجربة أريد لها منذ البداية أن تفشل في تحقيق ديمقراطية حقيقية للشعب التونسي. إذ تم وضع قواعد واضحة للعبة منذ بداية المسار ولكن تم خرقها ثم تغييرها منذ البداية لتخدم مصالح الحكام الجدد الذين تسلموا السلطة بعد انتخابات المجلس الوطني التأسيسي.
لا بد من التذكير كذلك بأنّ حزب حركة النهضة الفرع المحلي لجماعة الإخوان المسلمين كان يهدف منذ البداية إلى افتكاك الدولة التونسية والاستيلاء عليها بغية تفكيكها للتمكن من السيطرة على المجتمع وبناء دولته "الإسلامية" الموهومة. وبأن الصراع انتقل منذ البداية ومنذ ما قبل انتخابات 23 أكتوبر 2011 من صراع حول الأفكار والبرامج والمشاريع إلى صراع محتدم للحفاظ على المكتسبات المجتمعية البسيطة والوقوف ضد الإسهال الدستوري والتشريعي الرامي لتدميرها ولإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
عانت تونس في السنوات الأخيرة من تآكل مقبولية منظومة الحكم النهضوية بعد تبين فشلها في الارتقاء بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية وتعويلها على القمع كرد وحيد على تنامي الاحتجاجات. وبعد تتالي المعلومات والمعطيات وتوضح نتائج عمليات الاختراق التي تمت لجميع مفاصل الدولة والمجتمع وأوشكت على التسبب في انهيارهما وصلت المنظومة إلى نهاية الطريق وكانت أبرز مؤشرات ذلك نجاح مسيرات المجتمع المدني يوم 06 فيفري 2021 بقلب العاصمة.
لم يكن هنالك من حلول دستورية لحلحلة الوضع وإيجاد مخارج في ظل دستور مقفل لا وجود فيه لأية آلية عملية تكفل وضع حد للأزمات السياسية وتفادي الهزات والحلول غير الدستورية. لم يكن الفشل ناتجا كليا عن عدم نجاعة النظام السياسي أو عن النظام الانتخابي وطريقة الاقتراع، إذ قد يكفينا عندها اعتماد نظام مختلف وتغيير النظام الانتخابي لإصلاح الوضع.
لقد عجز الدستور كنص قانوني عن توفير حلول آمنة للأزمات المتعاقبة وخلق إشكاليات كبيرة في تسيير الدولة التونسية ولم يتعلق الأمر بالأزمة الأخيرة بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان أو رئيس الحكومة، إذ يكفي تذكر ما حصل بين الرئيس السابق ورئيس حكومته. وإذا ما أردنا فعلا تعديل الأوضاع واستئناف العملية الديمقراطية التي توقفت بعد صدور أمر 22 سبتمبر 2021 فما علينا إلا عدم الاقتصار على الترقيعات الاعتباطية والخوض في الأصل.
لن نحقق شيئا ذا بال بالانتقال إلى نظام رئاسي يعوض النظام الحالي أو إذا ما غيرنا نظامنا الانتخابي، لن يتغير شيء ذلك أننا في مواجهة خلل منهجي يتعلق بالدستور وبقواعد اللعبة وبتطبيق القوانين من قبل الجميع وعلى الجميع بدون تمييز. وهو خلل جوهري إذ لا يمثل فشل النظام السياسي ولا مشاكل النظام الانتخابي سوى مظاهر بسيطة تخفي مشاكل أشمل وأعم.
يدفعنا ذلك إلى التخلي عن الجانب النظري وإلى التطرق إلى ما انتجته قوانين وممارسات على أرض الواقع من مشاكل رئيسية حصلت ولم يكن للدستور دور مؤثر في بعضها وكانت ستحدث مهما كان نوع الدستور الذي يحكمنا. وقد ساهمت في تدمير مسار الانتقال إلى الديمقراطية بقطع النظر عمن يحكم وعن كيفية وصوله للحكم.
وهنا تتوفر لدينا معطيات مثبتة حول وجود منظومات كاملة مختلة من ناحية أطرها القانونية وسلوكات المتحكمين فيها عطلت المسار الانتقالي وساهمت مع المعطى السياسي والدستوري في الإجهاز عليه وهي خاصة المنظومة القضائية والمنظومة الانتخابية ومنظومة الحكم ومنظومة الإعلام . لا يمكن الحديث عن استئناف للمسار الديمقراطي بدون معالجة نقاط الارتكاز تلك معالجة جذرية، فالأمر لا يتعلق فقط بتغيير النظام السياسي والنظام الانتخابي. لا يمكن معالجة الوضع السياسي ولا الانتخابي ولا الإعلامي بدون معالجة الوضع القضائي ولا شك بأن المنظومة القضائية كانت من أهم أسباب فشل الانتقال الديمقراطي إذ لا يمكن الحديث عن ديمقراطية وعن مواطنة في ظل منظومة كاملة تنتهك حقوق المواطنين بمختلف فروعها. وقد ساهم جهاز القضاء في ذلك بدور ملفت للنظر.
من المفارقات أن الدستور الفرنسي ينص على هيئة أو جهاز أو قيادة قضائية (Autorité Judiciaire) ولا ينص على سلطة قضائية (Pouvoir Judiciaire)[1]. فالقضاء العدلي في فرنسا الديمقراطية أكثر من مرفق عام وأقل من سلطة ولذلك يتمكن من أداء الدور المكفول له ضمن دستور الجمهورية الفرنسية. أما القضاء الإداري فلم يرتق حتى إلى تلك المرتبة وهو قضاء الإدارة التي تحاكم نفسها.
في تونس نجحنا في إرساء قضاء من نوع خاص، فوق السلطة وفوق المراقبة والمساءلة ولا يخدم الجمهورية ولا الانتقال الديمقراطي وإنما يخدم مصالح قطاعية فجة إن لم يتورط في خدمة فاسدين أو إرهابيين. لا يختلف اثنان في أن من بين أهم أسباب فشل العملية الانتقالية الأدوار التي لعبها القضاء في خدمة بعض المشاريع لأطراف سياسية أو في التغطية على جرائمها أو المساعدة على ارتكابها وعلى الإفلات من نتائجها طيلة السنوات الماضية. وخاصة تلك الأدوار التي يرفض إلى يومنا هذا لعبها لفرض احترام القوانين وتطبيقها ومنع التلاعب بها والمحاسبة على خرقها.
فقد كان للقضاء التونسي دور أكثر من سلبي في عملية الانتقال الديمقراطي وقد توضحت نتائجه بجلاء اليوم. وكان الخطأ الأساسي في تلك اللحظة "الثورية" التي حملت البلد بأكمله إلى تبني بعض المصطلحات الموهومة كالاستقلال الذي سيحقق العدالة وإلى تأسيس بعض الهياكل المكلفة ماديا وسياسيا كالمجلس الأعلى للقضاء والمجالس المنبثقة عنه. والتي لم تغير من وضع القضاء إلى الأفضل بل مكنت من إنشاء ما يشبه دولة القضاة المستقلة ذات السيادة التي لا تقدر أية جهة على نقدها ولا مراقبتها فضلا عن محاسبتها.
تم إنشاء مجلس أعلى للقضاء بصلاحيات مبالغ فيها وبتشكيلة تشبه تشكيلة المجالس النيابية في تضخم عدد أفرادها مع ملاحظة إقصاء قطاعات قضائية كاملة ومهمة من عضويته لأسباب سياسية (عدالة الإشهاد المعادية للبرنامج الإخواني حينها). وهي عضوية تم توزيعها بالترضيات القطاعية مع قبول البعض بتمثيل هامشي مهين (عدالة التنفيذ) ومع إقحام قطاعات لا علاقة مباشرة لها بتسيير المنظومة القضائية (الأساتذة الجامعيين) لسد الفراغ وتفادي تولد الانطباع بوجود اقتسام للغنيمة بين القضاء والمحاماة.
أدى ذلك إلى تكريس جسم إداري جديد فاقد للشرعية والتمثيلية وقائم على التمييز والمحاباة ومثقل بالبيروقراطية لا يؤدي المهام المنوطة بعهدته ويغرق في الخلافات القطاعية التي لا تستفيد منها الدولة ولا المواطن وقد يتورط في الدفاع عن متورطين في دعم الإرهاب أو الفساد ولا يتخذ ما يجب من قرارات في شأنهم. وكانت النتيجة النجاح في تكريس العصبيات القطاعية وخدمة المصالح المهنية مع غياب المتابعة والمساءلة والمحاسبة والعقاب.
وتم إغفال مصلحة الشعب التونسي في إصلاح كامل المنظومة القضائية المتخلفة والمترهلة والفاسدة والتي لا تقتصر على هيبة القضاة وتأجيرهم المرتفع بل تشمل جوانب عديدة أخرى تمس المواطن في حياته مباشرة لا يتسع المجال لذكرها ساهمت في مزيد إفساد الوضعين السياسي والاجتماعي. وأصبحت تكلفة حصول المواطن التونسي على حقه أمام القضاء من بين الأعلى في العالم وإن لم تكن تثير اهتمام المجلس المذكور.
أصبح القضاء في غالبيته لعبة بين أيادي السياسيين يأتمر بأوامرهم ويمكنهم من عدم فتح أي من الملفات الحارقة وقد لاحظ الجميع ذلك خاصة منذ إعلانات 25 جويلية إلى اليوم كنتيجة واضحة للتكتل القطاعي الأعمى الرافض لفتح الملفات التي أخفاها أو تلاعب بها بعض من القضاة. ولا شك أن السماح للقاضي بممارسة السياسة وتحمل الخطط السياسية والإدارية العليا في زمن طغت فيه المحاصصة الحزبية وتمكينه عند الاستغناء عن خدماته من العودة إلى موقعه والانتصاب للحكم بين الناس أمر ساهم بشكل كبير في خلق مثل هذا الوضع البائس الذي تعيشه تونس والذي يُرفض فيه فتح الملفات وُتنكر فيه العدالة.
وهو وضع أدى إلى استقلال القضاة بأنفسهم عن باقي مؤسسات الجمهورية وإلى اختراقهم واستغلالهم في ترسيخ سلطة وبرامج الأطراف السياسية المهيمنة. كما أدى ذلك إلى غياب المتابعة والمحاسبة وإلى اشتغال بعضهم في خدمة مشاريع سياسية لا علاقة لها بمصلحة تونس في وجود قضاء عادل وناجز يفرض سلطة القانون ويخدم مصالح المواطن التونسي في الحصول على حقه قضائيا بأقل تكلفة ممكنة. تحول القضاء في تونس من جهاز من أجهزة الدولة يساعدها على فرض حكم القانون إلى سلطة منفصلة عن الدولة وسياساتها ولن يتسع المجال لذكر الخروقات الكثيرة التي شابت أداء القضاء العدلي في قضايا الاغتيالات والتسفير والغرفة السوداء والجهاز السري وغيرها التي لم تتخذ فيها قرارات جدية إلى يومنا هذا.
ولن يتسع لذكر إخلالات المحكمة الإدارية ورفضها الخوض في القضايا الخلافية وكمثال بسيط يمكننا تذكر القضية التي رفعها أحد المرشحين لرئاسية 2019 والمدعمة بأدلة وإثباتات قوية والتي تم رفض النظر فيها شكلا من قبلها بسبب خلل تافه كان يمكن تجاوزه للنظر في الأصل وحماية مصالح الشعب التونسي المتأكدة في الخوض في أصل القضايا التي تمس مصيره والفصل فيها.
أما دائرة المحاسبات فعلاوة على الدور السلبي الذي قامت به في ضرب هيئة الانتخابات التاريخية بتقرير مفبرك بأمر من رئيس الحكومة الأسبق الجبالي، فإنها ترفض إلى اليوم وتطبيق الفصلين 98 و163 من القانون الانتخابي الذين يمنحانها لوحدها بدون مشاركة من أي جهة أخرى سلطة إصدار الأحكام بإسقاط القائمات أو بالتمهيد لإفقاد العضوية بالبرلمان. وكان أدائها لواجبها رغم التعطيلات الإجرائية ليسقط عددا كبيرا من أعضاء البرلمان وليغنينا عن إعلانات 25 جويلية 2021.
بعد مرور قرابة السنتين على انتخابات 2019 لا زالت القضايا التي تهم القائمات الفائزة في الطور التحقيقي بينما سلطت المحكمة غرامات قاسية بمئات الملايين على أفراد كان من حظهم السيئ أن حاولوا المشاركة في الحياة السياسية في قائمات خسرت الانتخابات. يحيلنا ذلك إلى سلم ترتيب الأولويات لدى المحكمة المذكورة وإلى ضرورة إعادة سلطة إسقاط القائمات المخالفة للقانون لهيئة الانتخابات وترك القضاء يلعب دوره عند الطعن في قراراتها.
إن الدور السلبي الذي لعبه القضاء طيلة السنوات الأخيرة من بين أهم أسباب انتشار الفساد والإرهاب وانعدام المساءلة والمحاسبة والعقاب. وكان من بين أهم عناصر فساد الوضع السياسي وانتهاء تجربة الانتقال الديمقراطي، إذ لو قام بالدور المرسوم له بالدستور والقوانين لما تمكن السياسيون من الانحراف وتهديد مصالح تونس العليا بدون أن يوقفهم أحد.
لا يمكن بالتالي الحديث عن إصلاح سياسي وانتخابي بدون إصلاح جذري يعيد للقضاء مرتبته كجهاز من أجهزة الدولة لا يرتقي إلى مرتبة السلطة ولا يسير ذاتيا وليس خارجا عن إشرافها ويخضع للمراقبة والمحاسبة والعقاب. لا بد من إصلاح جذري يعيد إلى القضاء دوره الحقيقي في إطار الديمقراطية ولن يتم ذلك إلا بالاستغناء نهائيا عن المجلس الأعلى للقضاء بتشكيلته الحالية والرجوع إلى صيغة مجلس مصغر تكتسب فيه العضوية بالصفة.
وما على من يريد أن يصعد إلى مرتبة السلطة سوى الاستقالة والترشح للخطط الانتخابية ومن أراد ممارسة السياسة والترشح والانتخاب بدون فقدان صفته كقاض فما عليه سوى الانخراط في الهياكل المهنية للانتخاب والترشح للمسؤوليات النقابية. نقاط الارتكاز لمباشرة عملية إصلاح حقيقية وناجحة كثيرة ومتعددة ومن المستبعد أن تفشل العملية طالما نجحنا في خوض أولى معاركها الكبرى.